اشترك في النشرة البريدية

نظريات حول الدولة: الدولة.. الدولة.. إنها الدولة يا ذكي! (7/7)

ذهب بعض مثقفى الإسلاميين السياسيين إلى طرح مفهوم الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وذلك للرد على الخطاب الانتقادى للدولة الدينية لدى بعض المثقفين والمفكرين المصريين. (i) ولم يؤد طرح هذا المفهوم – على ما يشوبه من بعض الغموض المفهومى والاصطلاحى والدلالى – إلى تبديد بعض من القلق داخل الأوساط القبطية "العلمانية" أو "الأكليروسية" فى هذا الصدد. (ii)

شكل ولا يزال أى طرح -أو جدال- حول مسألة الدولة الإسلامية، أو المشروع السياسى الإخوانى – أو برامج الجماعة المتعددة التى طرحت فى هذا السياق – مصدرًا من مصادر التوتر وعاملا ينشط بعض الأزمات الإسلامية المسيحية.

وفى هذا السياق تكالبت الأزمات ذات الوجوه الدينية و"الطائفية" على المجتمع والدولة، وركز بعض الأقباط، والأكليروس الأرثوذكسى على دور الدولة كمركز لآمالهم ومطالبهم السياسية والدينية وفى مواجهة بعض أشكال التحول الطائفى، وتديين الفضاء العام، وكذلك فى تحقيق الدولة والأحرى السلطة الحاكمة إلى حد ما لبعض المطالب القبطية. فى هذا الإطار أُعيدت الأوقاف القبطية، وفى تقلد بعض الأقباط لمواقع بارزة عند قمة الأجهزة القضائية على اختلافها، وتعيين محافظ قبطى فى محافظة قنا، واعتبار يوم 7 يناير إجازة رسمية كتعبير رمزى عن الوحدة الوطنية المصرية، وبعض الإجراءات الأخرى فى مجال بناء الكنائس وترميمها وإسنادها إلى المحافظين بدلاً من صدور قرار من رئيس الجمهورية. (iii)

أيا كانت انعكاسات بعض التغيرات السابقة على وضع الأقباط، إلا أن تزايد عمليات الترميز الدينى للفضاء العام، والحياة الخاصة أدى إلى تزايد مؤشرات التحول نحو "الطائفية" فى المجالين الاجتماعى والدينى، بكل ما يحمله ذلك من نذر خطر على بقايا مواريث "الوحدة الوطنية"، والتكامل والاندماج القومى المصرى حول الدولة/ الأمة الحديثة.

ثمة تشكل لثقافة تمييزية دعمت هذا التحول الخطير على وحدة الأمة المصرية حول الدولة الحديثة. يرتكز التمييز على بنية أساسية من المنظومات الحاملة له فى مجال القوانين، وفى المجتمع، وفى مجال الإعلام والتعليم، وكذلك فى الوظائف العامة. (iv) من هنا يبدو أن ثمة دعمًا تمييزيًا متبادلًا بين عمليات التمييز التى ينتجها بعض الفاعلين والحركات الدينية الإسلامية والمسيحية، وبين بعض سياسات دينية رسمية ومناهج تعليمية بل إعلامية تسوغ التمييز وتكرسه وتُشيعه وتضفى عليه "شرعية" ما.

انطلاقًا من هذا التداخل بين عمليات إنتاج ثقافة التمييز الدينى والمذهبى، وبين سياسات عامة وفواعل دينية تبدو أهمية دور الدولة، والحكومات المتعاقبة والصفوة الحاكمة والمعارضات والمثقفين والإعلاميين، فى التصدى إلى جذور وعوامل إنتاج التمييز فى الخطابات الدينية والسياسية والتعليمية والإعلامية.. إلخ.

عديد من الأطراف السياسية والدينية والاجتماعية تركز انتقاداتها لسياسات تنتج بعضا من التمييز وحالاته على الدولة المصرية، بديلاً عن الحكومة أيا كان تشكيلها وسياساتها وانحيازاتها والصفوة السياسية الحاكمة. غالب النقد الحاد والقدحى يوجه إلى الدولة وأجهزتها، دونما تمييز بينها، وبين الحكومة والسلطة والصفوة الحاكمة، وربما يعود ذلك إلى إدراك شبه جمعى بأهمية الدولة المصرية فى القيام بعمليات التغيير والإصلاح والتقدم المصرى.

من ناحية أخرى يعبر هذا النقد القدحى للدولة عن تدهور فى مستويات الوعى والمعرفة السياسية، والتآكل فى التقاليد التاريخية للدولة المصرية مع سياسة الخصخصة وانتشار معدلات الفساد السياسى، وفى الوظيفة العامة وهيمنة نمط من الجمود الجيلى والشيخوخة السياسية فى الأفكار والأعمار والمهارات. (v) من هنا تمثل الدولة معقدا لعديد الآمال السياسية لدى غالب الصفوة المصرية -السياسية والثقافية والتكنوقراطية- ولدى الجمهور فى استعادة مصر عافيتها، ووقف معدلات تدهور مكانتها الإقليمية والدولية فى دوائر حركتها التاريخية التى أثرت فيها، ولا سيما منذ الدولة الحديثة حول محمد على باشا/ وإسماعيل باشا، وصولاً إلى ثورة يوليو 1952 حول الناصرية، ومرحلة حكم الرئيس السادات حتى منتصف حكمه، وبدأ بعدئذ مسلسل التراجعات المستمر حتى لحظة كتابة مقدمة هذا الكتاب.

يذهب بعض الباحثين إلى أن التمييز بات يشكل صناعة، ويشكل مسئولية الدولة أولاً. (vi)

إن تمييز الدولة -عبر ذكورية ثقافة الدولة السياسية- الدستورى والقانونى يشير إلى العروة الوثقى بين إنتاج التشريعات، وبين الدولة والدين فى بعض المراحل التاريخية منذ دستور 1923 وثمة نصوص تدور حول دين الدولة الإسلام، ولم تشر إلى ديانات أخرى كالمسيحية، أو اليهودية.. إلخ، ومع ذلك لم يرتب النص الدستورى أية تمييزات فى الحقوق بين المواطنين على أساس الدين، وإنما ظلت الحرية الدينية -وفق المفهوم الدستورى المصرى وتطبيقاته القانونية والقضائية- هى الأساس. بدأ التغير فى السياسة الدينية للصفوة الحاكمة -من 23 يوليو 1952 نحو توظيف مكثف للإسلام وللدين عموما- فى العمليات السياسية، وذلك فى ظل استمرارية مبادئ الحرية الدينية، وبعض من الإعاقات البنيوية لمشاركة الأقباط السياسية، أو فى بعض الجوانب الحقوقية فى بعض الوظائف العامة القيادية، أو فى تشكيل الحكومات المتعاقبة.. إلخ، واستمرت شروط العزبى باشا وكيل وزارة الداخلية تطبق فى مجال إنشاء الكنائس وترميمها، بما شكل عبئا على حرية ممارسة الشعائر الدينية، وذلك على الرغم من قرار رئيس الجمهورية الأسبق محمد حسنى مبارك بإسناد قرار إنشاء وترميم الكنائس إلى المحافظين، أو الاتجاه إلى تيسيرات جديدة فى هذا الشأن.

من هنا شكلت قوانين الدولة أحد أبرز المحددات والمؤثرات على شروط الوجود والفعالية وإحساس الأقباط بحضورهم فى الحياة الاجتماعية والسياسية، ومن ثم شكل القانون الحديث دائمًا أحد أبرز أدوات الوضع الحقوقى لهم، ومن ثم تجديد أسس وخلايا الاندماج القومى فى الأمة/ الدولة المصرية الحديثة.

من هنا أود أن أشير إلى أن أحد مداخل بث الحيوية والفاعلية يتمثل فى إصلاح أوضاع المواطنة، وتفعيل حرية التدين والاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وإعادة تجديد الوحدة الوطنية المصرية -وفق التعبير الشائع سياسيًا وإعلاميًا- التى تدور حول إصلاح الدولة وتجديد مفاهيمها وهياكلها وأجهزتها على اختلافها.

إن استمرارية حداثة ثقافة الدولة ومؤسساتها التحديثية وتجديدها، تعد من أبرز دوافع تطوير الثقافة السياسية، وإصلاح التعليم والثقافة الدينية الإسلامية والمسيحية ومؤسساتهما الدينية على تعددها واختلافها.

الدولة الحديثة، وقانونها الحداثى/ التحديثى ذو النسب والمرجعية فى القانون المقارن حول المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان -بأجيالها المتعددة- وإصلاح بنية العقل والتعليم المدنى والدينى فى أطر ديمقراطية وتجديدية واجتهادية، هى من أبرز المداخل نحو إعادة بناء الجسور بين الأقباط والمسلمين، وبين هؤلاء جميعًا على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية، والمذهبية والسياسية، وبين الدولة، وحول القانون الحديث والمعاصر.

إذا كانت الدولة وثقافتها هى أداة توحيد حول الأمة المصرية الحديثة، فهى أيضًا أداة تحمل بعض التمييز فى لحظات الأزمات الحادة، والممتدة ولا مناص من إعادة الدينامية والفاعلية الحداثوية والتجديدية للدولة وهيبتها فى أطر ديمقراطية.

تشكل أبواب وفصول هذا الكتاب محاولة لتقصى عوامل وأسباب التآكل المستمر فى الرأسمال الاندماجى والتكاملى القومى المصرى الحديث لصالح الانكسارات ذات النزوع "الطائفى" و"الدينى"، وكذلك عمليات تشكل بعضا من ثقافة الكراهية والعنف وعدم تطبيق مبادئ وقواعد دولة القانون الحديث منذ عقد السبعينيات من القرن الماضى وحتى أوائل العقد الثانى من القرن الحالى، وذلك لصالح شيوع قانون الأعراف، وبعض من ثقافة التمييز على أساس الانتماء الدينى.

المراجع

i(_) انظر فى ذلك: دراسة سعد الدين عثمانى الأمين العام لحزب العدالة والتنمية فى المغرب، الإسلام والدولة المدنية فى معتز الخطيب (تحرير وتقديم) وآخرين، مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين، المرجع سابق الذكر، من ص 98 إلى ص 113.

ii(_) مفهوم الدولة المدنية هو صياغة تحاول الابتعاد عن مفهوم الدولة العلمانية، وأثره الإدراكى السلبى لدى الجماعات الإسلامية السياسية، ورجال الدين، والجمهور وآحاد الناس فى مصر، خاصة فى ظل عمليات تشويه المصطلحات العلمية فى مجال العلوم الاجتماعية على اختلافها من قبل بعض القوى الدينية، وفى ظل فوضى المصطلحات وغموض وتشوش دلالاتها فى السوق اللغوى والدينى فى مصر. (انظر فى ذلك: مؤلفنا، اليوتوبيا والجحيم، قضايا الحداثة والعولمة فى مصر، من ص 61 إلى ص 69، الطبعة الثانية 2005، دار أزمنة، عمان – الأردن. من المعروف أن تعبير الدولة المدنية غير دقيق من منظور العلوم السياسية ونظرية الدولة، والمصطلح المعروف فى هذا الصدد هو الدولة/ الأمة – nation state أو L'etat nation. من ناحية أخرى تعرف الأدبيات مصطلح الثقافة المدنية Civic Cultural. وفى الجدل حول مخاطر الدولة الدينية، انظر: الحوار الذى جرى بين د. جابر عصفور وشيخ الجامع الأزهر السابق المرحوم د. محمد سيد طنطاوى، والمنشور فى كتاب جابر عصفور، نقد ثقافة التخلف، المرجع سابق الذكر من ص 451 إلى ص 501.

iii(_) دارت غالب المطالب القبطية، كما تكشف عنها غالب الخطابات السياسية لما يطلق عليهم "العلمانيون" الأقباط -وهم المدنيون من غير رجال الأكليروس وبعض كبار الأساقفة ورجال الدين- حول ما يلى:

1- تمثيل الأقباط سياسيا فى البرلمان والوظائف العامة القيادية فى التشكيلات الوزارية، وعضوية مجلسى الشعب والشورى والمجالس الشعبية المحلية، وأعداد المحافظين، والمؤسسات القومية على اختلافها، وذلك وفق نسبتهم إلى عدد السكان، ومن هنا يمكن فهم إصرار بعض المثقفين ورجال الأكليروس على موضوع حقوق الأقلية الدينية ومن ثم يطرحون ضرورة إعلان تعداد الأقباط، والحديث المتكرر عن أرقام تتراوح بين 8 و10 و15 مليون قبطى، بقطع النظر عن مدى دقة هذه الأرقام لأن الهدف السياسى الرئيس هو مطلب التمثيل الطائفى/ السياسى لدى بعضهم.

2- إلغاء الخط الهمايونى كما يشاع، وهو أمر بات فى حكم الملغى فى التطبيق، ولكنه يكرر فى الخطابات المطلبية حول الأقباط عموما من الكتاب والنشطاء الحقوقيين. وشروط العزبى باشا العشرة، ودعوة بعضهم إلى رفع القيود على بناء الكنائس وترميمها بعيدا عن الأجهزة الأمنية، ووضع قانون موحد لبناء دور العبادة الإسلامية والمسيحية. وثمة اتجاه داخل لجنة السياسات بالحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم لتيسير إجراءات الترخيص ببناء الكنائس وتدعيمها وترميمها.. إلخ، دونما لجوء إلى استصدار قانون موحد لإنشاء دور العبادة. هذا التوجه حال القيام به، يعكس جزءا من استراتيجية الحزب/ السلطة الحاكمة لجذب أصوات المسيحيين لصالح مرشحى الحزب فى انتخابات مجلس الشعب 2010، وذلك من خلال أداة القرار الجمهورى من ناحية، وعدم استثارة القوى الإسلامية حال ما إذا صدر قرار جمهورى بقانون موحد لدور العبادة، أو استصداره من البرلمان لاحقًا.

3- إعادة الأوقاف القبطية، وهو ما حدث كما ذكرنا أعلاه، وفى هذا السياق ذهب بعض أقباط المهجر إلى الدعوة لتأسيس برلمان قبطى، وذلك فى مجال الضغط على السلطة السياسية الحاكمة، وثمة دعوات أخرى قبطية وإسلامية لضرورة إعطاء المصريين بالخارج الحق فى التصويت فى الانتخابات العامة.

iv(_) انظر بعض التمييز فى المجالات المذكورة أعلاه فى د. محمد منير مجاهد، (إعداد) وآخرين، مصر لكل المصريين، المرجع السابق ذكره. فى مجال رصد آليات إنتاج التمييز الدينى فى سياسات التعليم ومناهجه، انظر أيضًا د. محمد منير مجاهد (إعداد) وآخرين، التعليم والمواطنة، الناشر، مصريون ضد التمييز (مارد)، القاهرة، يناير 2010.

v(_) انظر وجهة نظر نقدية حول الدولة المصرية وتحليلها، فى كتاب: عادل غنيم، أزمة الدولة المصرية المعاصرة، الناشر دار العالم الثالث، الطبعة الأولى، القاهرة 2005.

vi(_) يذهب بهى الدين حسن إلى تعريف التمييز الدينى "بأنه الحرمان الكلى أو الجزئى -لأسباب تتصل بالمعتقد الدينى- لفئة أو أكثر من المواطنين من بعض الحقوق المنصوص عليها فى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، باعتبارها المرجع الأساسى لحقوق الإنسان. يمكن أن يتم تأسيس ممارسة هذا الحرمان من خلال الدستور أو القانون، إما باستخدام الدستور ذاته أو القانون لمنح هذا الحرمان أو هذا التمييز مشروعية ذائعة، أو قد يفرض هذا الحرمان من خلال القيام بممارسات ذات طابع تمييزى لا تتمتع بسند من الدستور أو القانون أو كليهما معا. ويعتمد تطبيق "الحرمان من الحقوق" على بعض أو كل هذه الوسائل". ويرتب الناشط والصحفى بهى الدين حسن نتيجة هامة أن "التمييز لا يتعلق فقط بالأقباط، لأن "التمييز لا يتعلق فقط بالدين لكن بالمعتقد الدينى داخل نفس الدين، ومن ثم قد يقع التمييز الدينى داخل نفس الدين -كالإسلام مثلًا- وهناك شواهد تتعلق بهذا الموضوع كالتمييز ضد الشيعة، أو داخل حتى المذهب السنى نفسه، مثل منهج التعامل مع ما يسمى "بالقرآنيين". وأن هذه المسئولية عن هذا التمييز تقع على عاتق الدولة المصرية. انظر فى هذا الصدد: بهى الدين حسن، صناعة التمييز الدينى، ص 142 وص 143، فى: د. محمد منير مجاهد (إعداد) وآخرين، مصر لكل المصريين، المرجع سابق الذكر.